فخر الدين الرازي

94

المطالب العالية من العلم الإلهي

الوقت المعين . فنقول : صدق هذا النفي والإثبات ، يوجب التغاير لا محالة ، فوجب أن يكون المفهوم من كونه تعالى خالقا للعالم في هذا الوقت [ المعين « 1 » ] مغاير للفهوم من كونه تعالى قادرا . وإلّا لصار مورد النفي والإثبات ، أمرا واحدا . وذلك محال . وأيضا : يجب أن يكون المفهوم من كونه تعالى خالقا للعالم ، مغايرا لنفس العالم . وذلك لأن سبب وجود العالم هو خالقية اللّه تعالى له ، والمؤثر مغاير للأثر . فيثبت : أن المفهوم من الخالقية أمر مغاير للقادرية ، وأمر مغاير لذات المخلوق . وإذا ثبت هذا فنقول : لما كان العالم إنما حدث في هذا الوقت لا قبله ولا بعده ، وجب أن يقال : إن كونه تعالى خالقا له ، إنما حصل في هذا الوقت لا قبله ولا بعده ، لأن قبل حدوث العالم كان العالم باقيا على عدمه الأصلي [ ومتى كان الأثر باقيا على عدمه الأصلي « 2 » ] امتنع أن يصدق على المؤثر كونه مؤثرا فيه . فيثبت : أنه لو كان العالم حادثا ، لكان كونه تعالى خالقا للعالم صفة حادثة في ذات اللّه تعالى . فنقول : وهذا محال لوجهين : الأول : إن الحادث إما أن يكون مفتقرا إلى المقتضى ، أو لا يكون كذلك . فإن كان الأول لزم افتقار تلك الخالقية الحادثة إلى خالقية أخرى « 3 » ولزم التسلسل . وإن كان الثاني وهو أن لا يفتقر الحادث إلى الخالق ، فحينئذ يلزم أن يستغني حدوث العالم في ذلك الوقت عن الخالق ، وذلك يقتضي نفي الخالق . فيثبت : أن القول بحدوث العالم ، يوجب نفي المؤثر ونفي الخالق ، وذلك محال . فما أدى إليه كان محالا . الثاني : إن حدوث الصفة في ذات اللّه تعالى ، يقتضي كون ذاته محلا للحوادث ، وأنه محال . على ما بيناه بالبراهين القاطعة ، فكان هذا القول باطلا [ واللّه أعلم « 4 » ]

--> ( 1 ) من ( ط ) . ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) إلى حادثية أقوى ( ت ) ( 4 ) من ( ت )